ابن حزم

709

الاحكام

ويجزي ذلك عنده من تحديد النية كل ليلة ، وبين إجازة أبي حنيفة إحداث النية لصيام كل يوم من رمضان قبل زوال الشمس وإن لم ينوه من الليل ، ولا فرق بين تقديم النية قبل وقت العمل ، وبين تأخيرها عن وقت العمل ، وفي كلا الوجهين يحصل العمل المأمور به مؤدى بلا نية مصاحبة له ، ولا يجوز أن يؤدى عمل إلا بنية متقدمة ، يتصل بها ومعها الدخول فيه بلا مهلة ، ولا يعرى الابتداء به منها . ولو أمكن ذلك في الصوم حتى تكون النية متصلة بطلوع الفجر لما أجزأ غير ذلك ، ولكن لما كان ذلك غير ممكن في كل وقت ، أجزأ ذلك على قدر الطاقة هذا مع الحديث الوارد في هذا المعنى من طريق حفصة : لا صيام لمن لم يبيته من الليل وبالله تعالى التوفيق . ولا بد لكل عمل من نية ، وكل شئ يتصرف فيه المرء فلا يخلو من أحد وجهين : إما حركة ، وإما إمساك عن حركة ، وإنما يفرق بين الطاعة من هذين الوجهين وبين المعصية منهما وبين اللغو منهما النيات فقط ، ولا فرق بين الطاعة والمعصية واللغو في الحركات والامساك عن الحركات إلا بالنيات فقط ، وإلا فكل واحد فهو إما واقع تحت جنس الحركة وإما واقع تحت جنس الامساك عن الحركة . فوجب بالضرورة أن لا يتم عمل ، ولا يصح أن يكون حركة أو إمساك متوجهين إلى الطاعة المأمور بها . خارجين عن المعصية وعن اللغو إلا بنية . هذا أمر لا محيد عنه أصلا إلا لجاهل لا معرفة له بحقائق الأمور . فمن صلى بنية رياء ففاسق عاص ، ومن صلى بنية الطاعة التي أمر بها فمطيع فاضل ، ومن ركع وسجد وقام وقعد لا بنية رياء ولا بنية الطاعة فذلك لغو ، وليس مطيعا ولا عاصيا ، ومن توضأ بنية الرياء ففاسق عاص ، ومن توضأ بنية الطاعة كما أمر فمطيع فاضل ، ومن غسل أعضاءه تبردا بلا نية طاعة ولا بنية رياء فليس مطيعا ولا عاصيا ، وإذا لم يكن مطيعا فلم توضأ الوضوء الذي هو طاعة الله عز وجل مأمور به . وكذلك الصوم والحج والجهاد والزكاة ، لأن الصوم إنما هو إمساك عن الأكل والشرب ، والوطئ ، والقئ ، والكذب والغيبة ، ومباشرة من لا يحل للمرء مباشرته ، فإن أمسك عن كل ذلك بنية الرياء فهو عاص لله عز وجل فاسق غير صائم ، وإن أمسك عن كل ذلك بنية الطاعة في تركه كما أمر فهو مطيع فاضل صائم .